الشوكاني
357
فتح القدير
فرجت ) أي فتحت وشقت ، ومثله قوله - وفتحت السماء فكانت أبوابا - ( وإذا الجبال نسفت ) أي قلعت من مكانها بسرعة ، يقال نسفت الشئ وأنسفته : إذا أخذته بسرعة . وقال الكلبي : سويت بالأرض ، والعرب تقول : نسفت الناقة الكلأ : إذا رعته ، وقيل جعلت كالحب الذي ينسف بالمنسف ، ومنه قوله - وبست الجبال بسا - والأول أولى . قال المبرد : نسفت قلعت من مواضعها ( وإذا الرسل أقتت ) الهمزة في أقتت بدل من الواو المضمومة ، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة ، وقد قرأ بالواو أبو عمرو وشيبة والأعرج وقرأ الباقون بالهمزة ، والوقت : الأجل الذي يكون عنده الشئ المؤخر إليه ، والمعنى : جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما في قوله سبحانه - يوم يجمع الله الرسل - وقيل هذا في الدنيا : أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبها ، والأول أولى . قال أبو علي الفارسي : أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا ، وقيل أقتت : أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به ( لأي يوم أجلت ) هذا الاستفهام للتعظيم والتعجيب : أي لأي يوم عظيم يعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل لجمعهم ، والجملة مقول قول مقدر هو جواب لإذا ، أو في محل نصب على الحال من الضمير في أقتت . قال الزجاج : المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم ، ثم بين هذا اليوم فقال ( ليوم الفصل ) قال قتادة : يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار ، ثم عظم ذلك اليوم فقال ( وما أدراك ما يوم الفصل ) أي وما أعلمك بيوم الفصل يعنى أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره ، وما مبتدأ وأدراك خبره ، أو العكس كما اختاره سيبويه . ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل ، وويل أصل مصدر ساد مسد فعله ، وعدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات ، والويل الهلاك ، أو هو اسم واد في جهنم ، وكرر هذه الآية في هذه السورة لأنه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم ، فإن لكل مكذب بشئ عذابا سوى تكذيبه بشئ آخر ، ورب شئ كذب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره ، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب . ثم ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال ( ألم نهلك الأولين ) أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم . قال مقاتل : يعنى بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم ( ثم نتبعهم الآخرين ) يعنى كفار مكة ، ومن وافقهم حين كذبوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قرأ الجمهور " نتبعهم " بالرفع على الاستئناف أي ثم نحن نتبعهم . قال أبو البقاء ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى : أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الإهلاك . وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد . ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود " ثم سنتبعهم الآخرين " وقرأ الأعرج والعباس عن أبي عمرو نتبعهم بالجزم عطفا على نهلك . قال شهاب الدين : على جعل الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله " ألم نهلك " ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم ، يريد من يهلكه فيما بعد ، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف : أي مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله ، قيل الويل الأول لعذاب الآخرة ، وهذا لعذاب الدنيا ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي ضعيف حقير ، وهو النطفة ( فجعلناه في قرار مكين ) أي مكان حريز ، وهو الرحم ( إلى قدر معلوم ) أي إلى مقدار معلوم ، وهو مدة الحمل ، وقيل إلى أن يصور ( فقدرنا ) قرأ الجمهور " فقدرنا " بالتخفيف . وقرأ نافع والكسائي بالتشديد من التقدير . قال الكسائي والفراء : وهما لغتان بمعنى تقول : قدرت كذا ، وقدرته ( فنعم القادرون ) أي نعم المقدرون نحن ، قيل المعنى : قدرناه قصيرا أو طويلا ، وقيل معنى